أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
131
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
الاستطاعة ، ولا بد أن يكون جامعا بين حقيقة وشريعة ، وبين جذب وسلوك فبجذبه يجذب القلوب ، وبسلوكه يخرجها من حالة الجذب إلى البقاء ، فالسالك فقط ظاهري لا يجذب ولا يحقق ، والمجذوب فقط لا يسير ولا يوصل ، وفساد صحبته أكثر من نفعها . قال في أصول الطريقة : ومن فيه خمس لا تصح مشيخته : الجهل بالدين ، وإسقاط حرمة المسلمين ، ودخول ما لا يعني ، واتباع الهوى في كل شيء ، وسوء الخلق من غير مبالاة . انتهى . فصحبة مثل هذا ضرر محض ، وإليه أشار بقوله : 44 - ربّما كنت مسيئا ، فأراك الإحسان منك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك . قلت : رب هنا للتكثير ، وصحبتك : فاعل بأراك ، والإحسان : مفعول مقدم ، والتقدير ربما تكون مسيئا في حالك مقصرا في عملك ، فإذا صحبت من هو أسوأ حالا منك أراك أي أبصرتك صحبتك إلى من هو أسوأ حالا منك . الإحسان منك لما ترى ما يصدر منها من الإحسان ، ومن المصحوب من التقصير والنقصان ، فتعتقد المزية عليه لأن النفس مجبولة على رؤية الفضل لها ومشاهدة التقصير من غيرها علما أو عملا أو حالا ، بخلاف ما إذا صحبت من هو أحسن حالا منها فإنها لا ترى من نفسها إلا التقصير وفي ذلك خير كثير . قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي : أوصاني حبيبي فقال : لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب اللّه ، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبا من معصية اللّه ، ولا تصطف لنفسك إلا من تزداد به يقينا ، وقليل ما هم . وقال له أيضا : لا تصحب من يؤثر نفسه عليك ، فإنه لئيم ، ولا من يؤثرك على نفسه فإنه قلّما يدوم ، واصحب من إذا ذكر ذكر اللّه ، فاللّه يغني به إذا شهد وينوب عنه إذا فقد ذكره نور القلوب ومشاهدته مفاتيح الغيوب انتهى . وحاصله : لا تصحب من تتكلف له فوق جهدك ، ولا من يتكلف لك كذلك ، وخير الأمور أوساطها ، وهذا واللّه أعلم